أخبار

هذه أنا بكل فخر

هذه أنا بكل فخر

هذه أنا بكل فخر
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

​أنا التي تمشي على أطرافِ الروح، أتسللُ إلى أعماقِ من حولي بحذرٍ شديد، ليس خوفاً، بل حرصاً مني ألا أوقظَ أوجاعهم الغافية في زوايا الذاكرة. حضوري ليس اقتحاماً، بل هو استئذانٌ رقيق؛ أحطُّ على شغافِ القلوبِ للحظاتٍ عابرة، كفراشةٍ وجدت في حقلِ الأرواحِ زهرةً نادرة، ثم أمضي في صمتٍ مهيب، تاركةً خلفي ارتعاشةً من دفءٍ غامضٍ لا يُفسره عقلٌ ولا يحيطُ به منطق. أُشبهُ ذلك النسيمَ الذي يمرُّ على غصونِ الشجرِ في هجيرةِ الصيف؛ لا تلمحه الأعين، لكن تُحسُّ برودته في مسامِ الجلد ونبضِ الوريد، فكأنني جُبلت من مادةِ الشعورِ النقي الذي لم تلوّثه كدورةُ القسوة.
​حين أبتسم، أشعرُ وكأنني أُعيد ترتيب الفوضى في كل ما حولي؛ تتراجعُ الأحزانُ، وتصطفُّ الأمانيُّ في طابورِ الرجاء. وحين أشرعُ في الحديث، أنطقُ بكلماتٍ مغلفةٍ بالهدوء، تخرجُ حروفي وهي تمشي على مهل، كأنَّ الكلماتِ ذاتها تخشى أن تخدشَ جدارَ الصمتِ المقدس أو تجرحَ آذانَ السامعين. لا أطيقُ الضجيج، ولا تستهويني الجدالاتُ العقيمة، ولا أُجيدُ الوقوفَ في مواجهةِ العواصفِ الحادة، لكنني رغم ذلك، أمتلكُ في أعماقي قوةً خفية؛ قوةً تُربكُ القلوبَ العاتية التي ظنت أنها لا تلين، وفي الوقتِ ذاته، أُربّتُ على القلوبِ المتعبة بحنانٍ يسع الجميع.
​لقد أتقنت فنَّ الإنصاتِ حين ضجَّ العالمُ بالثرثرة؛ فأنا أسمعُ ما لا يُقال، وأفهمُ ما وراءَ العيونِ دون أن أُلقي سؤالاً واحداً. أمنحُ الأمانَ لمن حولي بفيضِ صدقي، لا بوعودٍ مكتوبةٍ على ورقٍ واهٍ. وعندما يطرقُ الحزنُ بابي، لا أولولُ ولا أشتكي للبشر، بل أنسحبُ إلى محرابِ عزلتي بوقار، أُضمدُ جراحي ببلسمِ الصبر، وأُداوي انكساراتي بيديّ الرقيقتين، ثم أعودُ بابتسامةٍ أكثرَ اتساعاً وإشراقاً، كأنّ جُرحاً لم يكن، وكأنّ دمعاً لم يسل.
​توازني.. بين رقة الفراشة وصلابة النور
​أنا لطيفةٌ كالفراشة، رقيقةٌ كجناحها، لكنني أبعدُ ما أكونُ عن الهشاشةِ التي يتوهمها العابرون. فالرياحُ العاتية التي أطاحت بغيري، لم تكسرني، بل علمتني كيف أوازنُ جناحيّ في مهبِّ العاصفة، وكيف أستمدُّ من رقتي قوةً لا تُقهر. أتألمُ في صمتٍ بليغ، وأُحبُّ بصدقٍ عميق، وأُسامحُ ليس ضعفاً، بل لأنني أُدركُ يقيناً أن القسوةَ حِملٌ ثقيلٌ يُرهقُ الروحَ ويُظلمُ القلب، وقد اخترتُ أن أكونَ نُوراً.
​قد لا يُحدثُ وجودي جلبةً، لكنّ غيابي يتركُ في الأمكنة فراغاً سحيقاً، فجوةً لا يملؤها سيلُ الكلام، ولا تعوضها البدائلُ البراقة. أنا من أولئك الذين يمرّون بالعمرِ مرةً واحدة، كالشهابِ الجميلِ الذي يضيءُ السماءَ لحظةً ويتركُ خلفه دهشةً أبدية. فإذا ما رحلتُ، ظلَّ أثري ناعماً، محفوراً في سويداء الذاكرة، يشبهُ لمسةَ جناحِ فراشةٍ لامست شغافَ القلبِ ذاتَ يوم، فاستقرَّ فيها السكونُ، ولم يغادرها أبداً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى